منتدى يسوع حبيبي
سلام المسيح..اهلا وسهلا بك بمنتدى مسيحيي العـــراق والعالم

الإفخارستيّا سِرُّ الشُكر لله الآب الذَبائح وَالقرابين في الأديان عَامّة وَ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإفخارستيّا سِرُّ الشُكر لله الآب الذَبائح وَالقرابين في الأديان عَامّة وَ

مُساهمة من طرف ashur في الثلاثاء يوليو 28, 2009 8:56 am

الإفخارستيّا سِرُّ الشُكر لله الآب
الذَبائح وَالقرابين في الأديان عَامّة وَفي العَهد القديم

"الافخارستيّا" لفظة يونانيّة تعني "الشكر". قبل التوسّع في معاني سرّ الافخارستيّا في اللاهوت المسيحي، لا بدّ لنا من التوقّف لحظة على معنى الشكر في حياة الإنسان، وذلك على الصعيد الإنساني المحض، وعلى الصعيد الديني.
الشكر هو إحدى العواطف الإنسانيّة التي تُخرج الإنسان من ذاته وتحمله على الاعتراف بوجود الآخر وبما يقوم به من أعمال حسنة. وهذا الاعتراف هو بوجود الآخر كشخص حرّ مستقلّ وغير مستعبَد لأحد، لا يقوم بصنائعه وأعماله الحسنة تحت الضغط والإكراه، بل بملء حريته وبدافع من سخائه ومحبته.
ويتضمّن هذا الاعتراف التزاماً من قِبَل من يؤدّي الشكر بالارتفاع الى مستوى الصنائع والأعمال الحسنة التي يؤدّي الشكر لأجلها، وبالعيش بموجبها. فالشكر عاطفة إيجابية فعّالة تُدخل الإنسان في علاقة بنّاءة مع الآخر، وتنشى بين البشر صِلات احترام وتقدير ومحبة، فتسهم في بناء الذات وبناء العالم.
تلك العاطفة الإنسانية تصير عاطفة دينية عندما تتّجه نحو الله عزّ وجلّ، فتعترف بوجوده وبصنائعه. تعترف بوجوده كشخص حرّ يفيض على العالم محبته ورحمته وسخاءه، وتعترف بصنائعه معلنة أنه وحده مبدع كل المخلوقات والمانح الحياة والخلاص لكل إنسان.
ففي هذا الفصل سنتوسّع في التعبير عن عاطفة الشكر والاعتراف هذه في الأديان عامة وفي العهد القديم.
إنّ جوهر كل دين وكل صلاة يقوم على أن يرفع الإنسان قلبه إلى الله ليدخل معه في علاقة محبة وصلة شكر واعتراف. وهذا ما يظهر لنا في مختلف الأديان وفي العهد القديم.

أولاً- الذبائح والقرابين في الأديان عامة
منذ أن وعى الإنسان وجوده على الأرض، رأى في الكون قوة تفوق الكون، وفي المادة روحاً تحيي المادة. وهذا الوعي هو في أساس الفكر الديني. فالإيمان بالله، منذ أقدم العصور وفي مختلف الديانات والحضارات، هو رفض الاكتفاء بما تراه الحواسّ، ونظرة واسعة تتطلّع إلى ما يتخطّى الكون والطبيعة وتنفذ إلى أعماق الوجود الإنساني.
ولقد تنوّعت تلك النظرة إلى الله بتنوّع الأديان والحضارات، من عبادة الأصنام إلى عبادة الآلهة المتعدّدة إلى الإيمان بالإله الواحد. غير أنّ أمراً أساسياً يجمع بين تلك النظرات المختلفة. وهو الاعتراف بأن الكون والإنسان ليسا عمل صدفة في تطوّر المادة، بل أن وجودهما مرتبط بوجود إله هو خالقه وغايتهما القصوى.
وهذا الاعتراف بالإله الخالق عبّر عنه الفكر الديني بوسائل مختلفة، منها تقديم القرابين والذبائح. وهي عبادة نشهدها في مختلف الأديان ولدى معظم الشعوب، فما هو مضمون هذا التعبير الديني من الناحية الأنتروبولوجية ومن الناحية الدينية؟ أي ماذا يقصد الإنسان الذي يلجأ إلى القرابين والذبائح للتعبير عن عبادته لإلهه أو لآلهته.
هناك مراحل ثلاث تتّسم بها القرابين والذبائح بنوع عام: التقدمة، الذبيحة الدموية، الشركة في الطعام من الذبيحة الواحدة.

1- التقدمة
قد نجد في بعض الكتب التي تتكلّم على سرّ الافخارستيّا وعلى الذبائح بنوع عام تركيزاً على فكرة "الذبيحة" وعلى ما توحي به من سفك دم وإتلاف، وكأنها تعبير عن موقفا تنكّر للحياة وتخلٍّ عن مباهج هذا العالم وتضحية بملذّاته. قد يكون هذا التركيز على النواحي السلبيّة للذبيحة مرتبطاً باعتراف الإنسان بخطيئته وبضرورة التكفير عنها بسفك الدم.
لا شك أن الخطيئة تطبع كل علاقاتنا بالله. ولكن الأمر الأوّل والأساسي الذي يميّز الفكر الديني هو" التقدمة" لله، وليس الذبيحة. والذبيحة عينها، قبل أن تُذبَح وتُتلَف، قدَّم إلى هيكل الله. إنّها "قُربان" قبل أن تكون "ذبيحة". وهذا القربان هو عمل رمزي به يعبّر الإنسان عن اعترافه بسيادة الله، ويشكر له انعاماته، ويدخل في علاقة ألفة معه. فالمزارعون يقدّمون باكورة غلالهم، والرعيان يقدّمون أبكار قطعانهم، اعترافاً منهم بأنّ كلّ ما يملكون هو من الله. وهذا ما يذكره الكتاب المقدّس عن الإنسان المتديّن منذ فجر التاريخ: "فقايين كان يقدِّم من ثمر الأرض تقدمة للرب، وهابيل من أبكار غنمه ومن سمانها" (تك 4: 3- 4).
هناك خطر الانحراف من هذا الفكر الديني الصافي إلى الفكر الأسطوري الذي يعتقد أن الآلهة بحاجة إلى الأكل والشرب. فالتقدمة التي هي رمز لتقدمة الذات تصير في الفكر الأسطوري تقدمة حقيقية لتلبية حاجات الآلهة. كما أنّ هناك خطراً آخر يشوّه معنى القرابين والذبائح، ويقوم على تقديم القرابين والذبائح استرضاءً لله أو طلباً لعطيّة خاصة من الآلهة. إذّاك يصير الدِين متاجرة: يقدّم الإنسان من ممتلكاته تقادم للآلهة لكي يُسكِّن غضبهم، فيرضوا عنه ويُنعموا عليه بما هو بحاجة إليه.
وقد كان أنبياء العهد القديم يحذّرون من خطر هذا الانحراف المزدوج لمعنى القرابين والذبائح. فالدِين الحقيقي هو "الاعتراف" أي الشكر والتمجيد، و"تقويم الطريق" أي العمل الصالح. نقرأ في المزمور 49:
"اسمع يا شعي، فأُكلِّمك... إنّي أنا الله إلهك.
لا أُوبِّخك على ذبائحك، فإنّ محرقاتك أمامي في كل حين.
لا آخذ من بيتك عجلاً، ولا من حظائرك تيساً.
فإنّ لي جميع وحوش الغاب، وألوف البهائم التي في الجبال...
إن جعتُ فلا أخبرك، فإنّ لي المسكونة وملأها.
أم لعلّي آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس.
إذبحْ لله الاعتراف، وأوفِ العليّ نذورك.
إنّ الذي يجعل ذبيحته الاعتراف هو يمجّدني،
والذي يقوّم طريقه إيّاه أُري خلاص الله".
(مز 49: 7- 23)
ونجد المعنى الروحي عينه في المزمور 50:
"يا رب افتح شفتيَّ، فيذيع فمي تسبيحك،
لأنك لو شئتَ ذبيحة لقدّمت. لكنّك لا ترتضي بمحرقات
إنّمَا الذبيحة لله روح منسحق. لا يرذل الله قلباً منسحقاً ومتواضعاً".
(مز 50: 17- 19)
وهذا المعنى الروحي للقرابين والذبائح، الذي نجد بعض إشارات إليه في العهد القديم، سيبلغ كماله في شخص يسوع المسيح الذي سيقرّب ذاته ذبيحة على الصليب، حسب قول الرسالة إلى العبرانيين:
"من المحال أنّ دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا. فلذلك يقول المسيح عد دخوله العالم: ذبيحةً وقرباناً لم تشأ، غير أنّك هيّأت لي جسداً. لم ترتضِ محرقات ولا ذبائح خطيئة. حينئذٍ قلتُ: ها أناذا آتي -إذ عنّي قد كُتب في دَرْج الكتاب- لأعمل، يا ألله، بمشيئتك" (عب 10: 4- 7).
بالتقدمة يتخلّى الإنسان عن بعض ما يملك تعبيراً عن إيمانه بأن الله مصدر وجوده وينبوع ممتلكاته. وبالتقدمة تصير الأرض كلها والحياة البشرية رمزاً لله، مصدر كل وجود وكل حياة.
ان الكلمات التي تعبّر من خلالها ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم في الطقس البيزنطي عن التقدمة: "ما لك ممّا هو لك، نقرّبه لك عن كلّ شيء ومن أجل كلّ شيء"، هي العبارة الأساسية لكلّ تقدمة وكلّ ذبيحة. فالمؤمن يعتبر أنّ كل ما يملك هو لله، لذلك لا يسعه إلاَّ أن يقدّم لله "ممّا هو لله". وبهذه التقدمة وهذا التلاقي بين ما هو إلهي وما هو إنساني يتجدّد العهد بين الله والإنسان.
إنّ هدف التقدمة الأوّل هو إذاً جعل الله حافراً في العالم المرئي والدخول في عهد معه. إلى هذا الهدف الأول تنضمّ أهداف أخرى تبدو أكثر نفعاً للإنسان: كالطلب والتكفير عن الخطايا. ولكنّ هذه الأهداف تبقى ثانوية بالنسبة إلى الهدف الأساسي. وإن كانت في بعض الأحيان تحجبه، إلاَّ أنّها تفترض دوماً وجوده.

2- الذبيحة
في الذّبيحة يدخل على التقدمة عنصر جديد. هو عنصر إتلاف التقدمة أو ذبحها أو إحراقها. إنّ هذا الإتلاف غير ضروري للتعبير عن معنى التقدمة، ولكنّه يؤكّد العطاء الكامل: فالأشياء التي تُتلَف، والحيوانات التي تُذبَح أو تُحرَق تحرَّم عن الاستعمال العام وعن العلاقات الدنيوية.
أن إتلاف الذبيحة هو تقدمة ثانية تجعل من المعاهدة الدينية التي تتمّ من خلال العمل الرمزي معاهدة نهائية. ولتوضيح هذا الأمر نشير إلى أحد الطقوس الغريبة التي يمارسها الهنود في شمالي غربي أميركا: عندما تلتقي قبيلتان، يقدّم رئيسا القبيلتين أحدهما الآخر أثمن ما لديه من الأشياء، ثم يُتلف كلّ منهما ما قُدِّم له، للتعبير عن أنّ ما هو أساسيّ ليس الشيء المقدَّم بل ما يرمز إليه، أي علاقة التضامن والتبادل والعهد بين القبيلتين.
إنّ الفائدة الحقيقيّة التي يجنيها الإنسان من تقدمة الذبيحة هي الدخول في علاقة مع الله، وليس الحصول على موهبة خاصة مقابل تقدمته. يكفي الإنسان أنه يتّصل، من خلال هذا العمل الرمزي، بمن هو مصدر وجوده والأساس الثابت لحياته. وهذا الاتصال يمنحه السكينة والاستقرار. وبهذا يُظهر العهد مع الله فعاليّته، قبل أيّ التفاتة أخرى أو أيّ تدخُّل خاص من قِبَل الله لصالح الإنسان.
أمّا الطابع الدموي للذبائح فيدلّ على أمرين: فالإنسان أولاً بسفك دم ذبيحة حيوانيّة يرمز إلى سفك دمه الخاص، أي إلى عطاء ذاته عطاءً تامًّا لله. ثم أن الدم هو وسيلة مميّزة للاتصال بالله: وذلك إمّا برشّ دم الذبيحة على الهيكل، الذي يمثّل الله، وعلى الشعب، وإمّا بشرب دم الذبيحة المكرّسة لله. فرباط الدم هو أقوى رباط بشري. والله والإنسان، بدخولهما في هذا الرباط بواسطة دم الذبيحة، يتّحدان في معاهدة قرابة.
وهذا يقودنا إلى الناحية الثالثة، التي هي التناول من الذبيحة

ashur
عضو جديد
عضو جديد

ذكر
عدد الرسائل : 30
العمر : 39
العمل/الترفيه : كاتب و استاذ فلسفة و لاهوت
المزاج : ممتاز
تاريخ التسجيل : 07/07/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى